سكرية.. يمزج بين تراسلات اللون والموسيقى
عمان – سارة القضاة
الفنون الإبداعية كانت على مر العصور متقاطعة مع بعضها البعض، إذ تجاذبت الفنون علاقة تأثر وتأثير مع بعضها، وكانت فكرة التأثير المتبادل بين الفنون المختلفة بمثابة المسلمات أو البديهيات، إلا انه بقي مكتنفا بالغموض الذي لا يعرف كنهه إلا المبدع.
ولعل الغموض أكثر ما يكتنف التأثير المتبادل بين اللون والنغمة، إذ يصعب على الإنسان تصور تأثر الموسيقى بالألوان، لعل ذلك يعود إلى كون الموسيقى أمر غير ملموس، ويصار تأويله بحسب الحالة النفسية التي يدخل إليها المستمع.
"دو ري مي فا صول لا سي ، أحمر برتقالي أصفر أخضر أزرق نيلي بنفسجي".. هكذا يبدأ الموسيقار هيثم سكرية حديثه.. فيقول "لا بد لي كأكاديمي متخصص في التأليف والقيادة ومؤلف ممارس أن أغطي الموضوع من جانبيه النظري والفلسفي من جهة والعملي من خلال تجربتي من جهة أخرى".
ويوضح سكرية " لم يتصادف عدد الحروف الموسيقية السبعة مع عدد ألوان الطيف السبعة ، فالله لم يخلف شيئاً بطريق الصدفة فهو خالق السموات السبعة"، وهنا يتبادر إلى أذهاننا كيف يمكن رصد تلك العلاقة بين الموسيقى والفن التشكيلي؟
ويتابع سكرية " جميع المؤلفات الموسيقية التي ألفها مبدعوها عبر الزمان لم تتجاوز هذه النغمات السبعة ولكن بالتنويع بخفض النغمة أو رفعها أو مزجها بنغمات أخرى لخلق ناتج سمعي جديد ليصبح عدد النغمات لانهائي، كما أن جميع اللوحات الفنية التي رسمها مبدعوها عبر الزمان لم تتجاوز ألوان الطيف السبعة ولكن بالتنويع بخفض درجة اللون أو رفعها أو مزجها بألوان أخرى لخلق ناتج بصري جديد ليصبح عدد الألوان لانهائي".
فهل يمكن حقاً قراءة تلك العلاقة الغامضة بين اللون و الصوت؟ و كيف يمكن مثلاً أن نتبين تأثر موزارت بأسلوبيات و اتجاهات الرسم في عصره أو العكس؟ و إذا افترضنا حتمية التأثر والتأثير المتبادل بين الفنون، فما هو تأثير لوحات بيكاسو مثلاً على معاصريه من الموسيقيين، و هل يمكن تحديد عناصر معينة في أعمال بيكاسو يمكن ردها إلى تأثره بموسيقى عصره؟
ويعلق سكرية "لكل حرف موسيقي تأثير خاص على السمع تبعاً لمكانه بين الحروف وذلك ما نسميه بالسلم الموسيقي المكون من الحروف السبعة"، ويبين سكرية المعادلة قائلا: "الدرجة الأولى دو، أساس السلم الذي يعطي المستمع الإيحاء بالاستقرار ويريح السمع، الثانية ري، ثانية السلم التي توحي بعدم الاستقراء وتجذب الانتباه، الثالثة مي، وهي درجة متباينة تعطي الإحساس بالقوة أو الضعف تبعاً لنوع المقام الموسيقي، الرابعة فا، توحي بالشجن تارة وبعدم الاستقرار وضرورة التغيير تارة أخرى، الخامسة صول، توحي بالقوة والحيوية وإمكانية الانطلاق الحر إلى سلالم أخرى، السادسة لا، دورها قريب إلى الدرجة الثالثة ولكنها أعلى طبقة، السابعة سي، وتوحي بالتوتر وتزيد من الانفعالات النفسية للمستمع ولا يستطيع سماعها لوقت طويل دون التغيير إلى نغمة أخرى وفي الغالب للدرجة الأولى المستقرة دو".
بدأت العلاقة بين الموسيقى والتشكيل بالتزامن بين انهيار ونهاية الأساليب القديمة في كل من الفنين.، ففي الوقت الذي كان فيه البنيان النغمي العريق للموسيقى الكلاسيكية يتداعى، كانت الأوركسترا قد تضخمت بشكل كبير أصبحت فيه إدارتها متعذرة تقريباً مع نهاية القرن التاسع عشر، وبدأت النزعة التجديدية والتجريدية في أعمال المؤلفين الموسيقيين في بداية القرن العشرين، لتترك تأثيراً حاسماً على الفنون البصرية بشكل عام.
ووصل شكل الأوركسترا إلى ذروة توسعه في هذا الوقت حيث ضمت كل الآلات الموسيقية القديمة و التي ظهرت حديثاً، خصوصاً بعض آلات النفخ مثل الساكسفون. وفي هذا الوقت تحديداً بدأ المؤلفون الموسيقيون يتخلون عن الأساليب التقليدية في التأليف متجاوزين للمرة الأولى القواعد السيمفونية للتأليف.
وبدأ هذا الاتجاه مع ما بعد الرومانسية، حيث تجاوز الموسيقار ماهلر ذلك الطابع الدافئ للموسيقى الألمانية، بينما أحدث سترافينسكي ما يشبه الثورة في مفاجأته التي تلقاها جمهوره في باريس العام 1913.
ويين سك
المزيد