راند: أفكار واقفة على حافة الرومانسية والديمقراطية
كتبهاسارة القضاة ، في 19 أيلول 2006 الساعة: 08:07 ص
راند: أفكار واقفة على حافة الرومانسية والديمقراطية

*ترجمة: سارة القضاة
ماذا أرادت إيان راند؟ اليوم وبعد مرور مئة عام على مولدها، تنشغل الصحف بالكتابة عن حياتها، وفي الوقت الذي لا يتوفر فيه إلا القليل عن حياتها الخاصة، ويبقى فيه تأثيرها الشعبي غير مفصوح عنه بعد، يظل من الأسهل محاولة فهم ماذا لم ترد راند بدلا من معرفة ما تريد.
فازدراؤها لم يكن ليخطىء محله في البيانين الروائيين اللذين اصدرتهما: «المصدر» في العام 1943 والذي يتحدث عن مهندس معماري ذكي يقف بكل فخر ضد الأذواق المنظمة والمساواة العاطفية، ورواية «الأطلس هز كتفيه» في العام 1957 والتي تتحدث عن صناعي عبقري يقف ضد الحكومة البيروقراطية، والأنشطة الاجتماعية الوسطية.
واليوم بعد مرور عشرين عاما على وفاتها نجد قراء ينظرون إليها من وجهتي نظر مختلفة، فأما ينظرون إليها كفيلسوفة بارعة وحذقة، ومن هم من ينظر إليها كروائية مدعية.
وقسمت راند عالمها وشخوصها إلى قسمين متشابهين بصرامتهما، فهما ما تريده وما لا تريده، وما لم تكن تريده هو: السورث م. توهي، تجار السلع المستعملة، ويسلي موتش، المستغنمون، المتمسكون بروح القرابة، المنظمون في جماعات، والإيثاريون، أما ما أرادته راند فهو محصور بـ: هوارد رورك، جون غالت، الفردية، الأنانية، الرأسمالية والإبداع.
وحين ناقشت راند وأفصحت عن آرائها المناهضة للجماعات المنظمة، فان فلسفتها الساخرة تلك كانت مبنية على أسس استخدمتها من تجربتها الخاصة، فهي المولودة في روسيا القيصرية في العام 1905، شهدت الثورات المتعاقبة في العام 1917 من شقتها في سانت بطرسبرغ، وتدبرت أمرها للهروب إلى الولايات المتحدة في العام 1926، ويمكن ملاحظة هجائها الحاد في بعض الرسومات الكاريكاتيرية التي رسمتها حول الجماعات المنظمة.
أما بالنسبة للأشخاص الطيبين فهناك قصة أخرى: فهل تعد شخصيتي «المصدر» رورك، و«الأطلس» غالت إبطالا منطقيين، ويبدون في الظاهر معقولين بتصريحاتهم التقليدية البلهاء، وتقديرهم العالي لأنفسهم؟ وهل آمنت راند صراحة بان العالم يجب أن يدار من قبل شخوص مثل تلك، في الوقت الذي يحيد عامة الناس بتواضع؟
دون شك هذه الأسئلة ليست نظرية لا داعي لها، فخمسين مليون نسخة من كتبها ثم بيعها حتى الآن، وما زالت روايتا «المصدر» و«الأطلس هز كتفيه» تبيعان من 130 ألف إلى 150 ألف نسخة سنويا، حتى انه في العام 1999 وضعت صورة راند على طابع بريدي أميركي، ذلك أنها بتبريراتها الأخلاقية للرأسمالية شكلت الذائقة الفكرية للشاب الآن غرينسبان والذي يترأس حاليا صندوق الادخار الفيدرالي، حيث أنها أطلقت مقولة «انه مباح أن تعلن عن رغبتك في فعل شيء ما وان تتحرك تجاه إنجاز ما يتطلبه هذا العمل، لكن السؤال الذي يبقى دون إجابة: «ماذا أرادت حقا؟».
دون شك، إنها لا تريد ما يحصل في عالمنا اليوم، فحتى اليوم ما تزال النقاشات تدور حول التجارة الحرة، وما تزال الحركات واللوبيات تتجمع، وتفرض نفسها بقوة، إضافة على إلى المواجهات بين أصحاب نظرية الاعتماد على النفس، وأصحاب نظرية التضحية بالنفس.
إلا أن العالم الذي أرادت راند أن يبنيه أبطالها في الحقيقة كان بعيدا كل البعد عن الثورة، حتى انه يبدو بصورة ما عجيبا يقترب من الجاذبية والخيال. لقد كان مزيجا من الرومانسية المثالية الخالصة، حيث أن توترات الحياة الديمقراطية يتم تجنبها بدلا من إيجاد حلول لها. فعلى سبيل المثال في روايتيها الأبطال هم من أبدعوا الفن. روك أبدع في بناء معبد ستودارد في «المصدر» وريتشارد هالي كان صاحب «الكونشرتو الخامس» في «الأطلس هز كتفيه».
وهذه الروايات والفن الموصوف فيها هو في الحقيقة بعيدا كل البعد عن الفكر الثوري، فهي تنسحب على شاكلة الأساطير الرومانسية من أواسط القرن التاسع عشر حتى أواسط القرن العشرين.
هذا هو فن راند التيوبي: الرومانتيكية الجديدة المبرمجة، فراند لم تكن تنظر إلى الأمام، بل الخلف، وبهذا تشترك مع الواقعية الاشتراكية، وبالطبع فان الأسلوب الرومانسي يتناسب بصورة كبيرة مع ثيمة راند، ففي أواسط القرن التاسع عشر غالبا ما كانت الرومانسية تحتفل بروح الإنسان، مقولبة الصراعات بين الأفراد المكافحين، والعالم المحيط بهم بقالب دراماتيكي، إلا أن هذه الأعمال كانت ثورية، لأنها تتحدى الآثار المتروكة من العالم الأرستقراطي، فكلماتهم عن النصر قادت إلى العصر الديمقراطي، أما راند فقد أرادت ترميم عصر ما قبل الديمقراطية وإعادته.
لقد كانت راند ممزقة، ورواياتها وأفكارها تعكس انعدام التكافؤ لديها، فالديمقراطية بالنسبة لراند توشك أن تكون مماثلة للسوفيتية: ثقافة سيطرة الجماعات المنظمة بمبادىء من المساواة المفترضة.
من الممكن أن يكون ما أرادته راند هو أن تكون «نابغة الديمقراطية الحديثة» في أفضل معانيها، لتقود الإنسانية نحو عالم شجاع جديد، فكل أعمالها تشير إلى مدى عمق تعلقها بالأذواق الشعبية، ففي طفولتها المبكرة في روسيا كتبت راند عن المغامرات، وكانت مأسورة بأفلام الميلودراما الصامتة.
راند لم تستطع أبدا أن توفق بصورة مقنعة بين إنجازاتها النخبوية، وبين الحضارة الديمقراطية، ولهذا كثيرا ما كانت تظهر وكأنها مناهضة للديمقراطية، لقد أرادت الأبطال الذين يستطيعون اتخاذ موقف ملتبس في هذه القضية، ويستطيعون الفصل في هذا الشأن، كما أرادت أن تبدع شخوصا قادرة على استغلال إنجازاتهم النخبوية في ظل الحضارة الديمقراطية، فقد كانت راند تقول: «هذا هو الدافع والهدف لكتاباتي: إبراز الرجل المثالي».
ولعل راند كانت مؤمنة بان الديمقراطية لا أمل مرجوا منها، وأرادت أن تدار الحكومات من قبل رجال مثل هؤلاء، لكنها لم تهتم أبدا بالعمل على تحقيق هذه الأفكار، أو لربما في النهاية لم تعرف راند نفسها ماذا تريد، وعلى أي تقدير، فان فشلها في التوفيق بين الحضارة الديمقراطية والإنجازات النخبوية لم يكن ملكا لها وحدها: فهذا هو السبب الذي يدفع القراء الوقوف إلى جانبها حتى اليوم والإيمان بأفكارها.
*إدوارد روثستاين
عن صحيفة «ذا نيويورك تايمز» الأميركية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ترجمات | السمات:ترجمات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 19th, 2006 at 19 سبتمبر 2006 9:01 ص
الزميلة سارة، مدونتك مميزة لما تقدمه من موضوعات جديدة ومميزة، والترجمات التي تنشرينها في المدونة تعرف القارئ العربي بكتاب ومثقفي العالم.
شكرا لك، واتمنى لك مزيدا من التقدم والتألق.
سبتمبر 19th, 2006 at 19 سبتمبر 2006 12:39 م
العزيزة سارة
كنت قد طالعت الغراء الرأي مؤخراً، وان رأيت اسمك حتى تابعت القراءة حتى اخر حرف، فعلاً شكراً لك، ارجو مروك على مدونتي ولك الاحترام
سبتمبر 20th, 2006 at 20 سبتمبر 2006 7:14 ص
شكرا لك على اهتمامك، وارجو ان تتابع مدونتي دائما
سبتمبر 21st, 2006 at 21 سبتمبر 2006 4:23 ص
ليس بالضرورة ان اتفق مع وجهات نظر ايان راند .. لأن لي مقاييسي المختلفة … لكن لا انكر ابدا ان المبدع والمتميز احيانا يكون سئ الحظ … مثل ما حصل معها ولم تأخذ حقها الا بعد عشرين سنة … تمنياتي لكي بدوام التوفيق و التقدم ..