أنتَ من يتأمل جثة حب في طور التعفن
لا تحتفظ بحب ميت في براد الذاكرة
أكتب
لمثل هذا خلقت الكتابة!
~~~~~~~~~~~~~~~~
 
 
 
 
 

سكرية.. يمزج بين تراسلات اللون والموسيقى

كتبهاسارة القضاة ، في 20 شباط 2008 الساعة: 09:06 ص

سكرية.. يمزج بين تراسلات اللون والموسيقى
 
عمان – سارة القضاة
 
الفنون الإبداعية كانت على مر العصور متقاطعة مع بعضها البعض، إذ تجاذبت الفنون علاقة تأثر وتأثير مع بعضها، وكانت فكرة التأثير المتبادل بين الفنون المختلفة بمثابة المسلمات أو البديهيات، إلا انه بقي مكتنفا بالغموض الذي لا يعرف كنهه إلا المبدع.
 
ولعل الغموض أكثر ما يكتنف التأثير المتبادل بين اللون والنغمة، إذ يصعب على الإنسان تصور تأثر الموسيقى بالألوان، لعل ذلك يعود إلى كون الموسيقى أمر غير ملموس، ويصار تأويله بحسب الحالة النفسية التي يدخل إليها المستمع.
 
"دو ري مي فا صول لا سي ، أحمر برتقالي أصفر أخضر أزرق نيلي بنفسجي".. هكذا يبدأ الموسيقار هيثم سكرية حديثه.. فيقول "لا بد لي كأكاديمي متخصص في التأليف والقيادة ومؤلف ممارس أن أغطي الموضوع من جانبيه النظري والفلسفي من جهة والعملي من خلال تجربتي من جهة أخرى".
 
ويوضح سكرية " لم يتصادف عدد الحروف الموسيقية السبعة مع عدد ألوان الطيف السبعة ، فالله لم يخلف شيئاً بطريق الصدفة فهو خالق السموات السبعة"، وهنا يتبادر إلى أذهاننا كيف يمكن رصد تلك العلاقة بين الموسيقى والفن التشكيلي؟
 
ويتابع سكرية " جميع المؤلفات الموسيقية التي ألفها مبدعوها عبر الزمان لم تتجاوز هذه النغمات السبعة ولكن بالتنويع بخفض النغمة أو رفعها أو مزجها بنغمات أخرى لخلق ناتج سمعي جديد ليصبح عدد النغمات لانهائي، كما أن جميع اللوحات الفنية التي رسمها مبدعوها عبر الزمان لم تتجاوز ألوان الطيف السبعة ولكن بالتنويع بخفض درجة اللون أو رفعها أو مزجها بألوان أخرى لخلق ناتج بصري جديد ليصبح عدد الألوان لانهائي".
 
فهل يمكن حقاً قراءة تلك العلاقة الغامضة بين اللون و الصوت؟ و كيف يمكن مثلاً أن نتبين تأثر موزارت بأسلوبيات و اتجاهات الرسم في عصره أو العكس؟ و إذا افترضنا حتمية التأثر والتأثير المتبادل بين الفنون، فما هو تأثير لوحات بيكاسو مثلاً على معاصريه من الموسيقيين، و هل يمكن تحديد عناصر معينة في أعمال بيكاسو يمكن ردها إلى تأثره بموسيقى عصره؟‏
 
ويعلق سكرية "لكل حرف موسيقي تأثير خاص على السمع تبعاً لمكانه بين الحروف وذلك ما نسميه بالسلم الموسيقي المكون من الحروف السبعة"، ويبين سكرية المعادلة قائلا: "الدرجة الأولى دو، أساس السلم الذي يعطي المستمع الإيحاء بالاستقرار ويريح السمع، الثانية ري، ثانية السلم التي توحي بعدم الاستقراء وتجذب الانتباه، الثالثة مي، وهي درجة متباينة تعطي الإحساس بالقوة أو الضعف تبعاً لنوع المقام الموسيقي، الرابعة فا، توحي بالشجن تارة وبعدم الاستقرار وضرورة التغيير تارة أخرى، الخامسة صول، توحي بالقوة والحيوية وإمكانية الانطلاق الحر إلى سلالم أخرى، السادسة لا، دورها قريب إلى الدرجة الثالثة ولكنها أعلى طبقة، السابعة سي، وتوحي بالتوتر وتزيد من الانفعالات النفسية للمستمع ولا يستطيع سماعها لوقت طويل دون التغيير إلى نغمة أخرى وفي الغالب للدرجة الأولى المستقرة دو".
 
بدأت العلاقة بين الموسيقى والتشكيل بالتزامن بين انهيار ونهاية الأساليب القديمة في كل من الفنين.، ففي الوقت الذي كان فيه البنيان النغمي العريق للموسيقى الكلاسيكية يتداعى، كانت الأوركسترا قد تضخمت بشكل كبير أصبحت فيه إدارتها متعذرة تقريباً مع نهاية القرن التاسع عشر، وبدأت النزعة التجديدية والتجريدية في أعمال المؤلفين الموسيقيين في بداية القرن العشرين، لتترك تأثيراً حاسماً على الفنون البصرية بشكل عام.
 
ووصل شكل الأوركسترا إلى ذروة توسعه في هذا الوقت حيث ضمت كل الآلات الموسيقية القديمة و التي ظهرت حديثاً، خصوصاً بعض آلات النفخ مثل الساكسفون. وفي هذا الوقت تحديداً بدأ المؤلفون الموسيقيون يتخلون عن الأساليب التقليدية في التأليف متجاوزين للمرة الأولى القواعد السيمفونية للتأليف.
 
وبدأ هذا الاتجاه مع ما بعد الرومانسية، حيث تجاوز الموسيقار ماهلر ذلك الطابع الدافئ للموسيقى الألمانية، بينما أحدث سترافينسكي ما يشبه الثورة في مفاجأته التي تلقاها جمهوره في باريس العام 1913.
 
ويين سكرية أن العلاقة بين الصوت والصورة علاقة وثيقة، موضحا "اكتشف هذه العلاقة المؤلفون الموسيقيون في العصر الرومانتيكي، الذي تميزت موسيقاه بالميل إلى حرية الانطلاق والإسراف في الخيال والكشف عن العواطف والانفعالات بشكل صارخ وصريح، وذلك لانتقال الموسيقى من قصور الأمراء والنبلاء والحكام إلى الطبقات المتوسطة من الشعب، فتحولت الموسيقى من العقلانية والنظام والاصطناعية التي تميز بها الذوق الفني للطبقة الأرستقراطية، إلى العاطفة والانفعالية والتلقائية التي تميز بها الذوق الفني للطبقات المتوسطة من الشعب، ولقد ظهر ذلك في مختلف أنواع الفنون مثل الشعر والرسم والدراما".
 
ويسرد سكرية "في هذا العصر ظهرت مدارس وتيارات موسيقية عديدة جل اهتمامها هو إحداث تغيير في النواحي الإبداعية يتناسب مع تغيير نمط الحياة ، إحدى هذه المدارس هي المدرسة التأثيرية التي سايرت الموسيقى فيها التصوير والشعر، فتخلت عن الميلودية والبناء التقليدي والنسيج البوليفوني والتسلسل المنطقي للتآلفات الهارمونية تبعاً لسياق هارموني عضوي".
 
وبالتأكيد اللون عنصر يشبه الصوت في الموسيقى من حيث كونه لا يخضع لقوانين ثابتة في دلالاته، ومن هنا تبدو العلاقة بين الموسيقى والرسم حالة خاصة يمكن من خلالها استكشاف الآليات المعقدة التي تنظم علاقة الفنون فيما بينها.
 
ويقارب سكرية بين تأثير الحروف الموسيقية على الأذن وتأثير الألوان على العين، فيشير إلى أن "الأحمر يشع بالحيوية ويجذب الانتباه، فيما يعد البرتقالي لونا دافئا، ويبعث الأصفر على البهجة والانتعاش، ويعد الأخضر لونا باردا، والأزرق لون هادئ يريح الأعصاب، فيما يجمع النيلي بين الحيوية والهدوء تبعاً لمكانته، أما البنفسجي فهو لون هادئ ومريح للأعصاب وملفت للنظر".
 
ويؤكد سكرية "الصوت الموسيقي الذي تسمعه الأذن هو عبارة عن مزيج من العديد من النغمات بنسب متفاوتة، كما هو الحال في اللون الذي يتكون من عدة ألوان بنسب متفاوتة".
 
ويتابع "وحيث أن الناس يستخدمون الألوان تبعاً لثقافتهم وذوقهم فأنهم أيضاً يستمعون إلى مختلف أنواع الموسيقى تبعاً لثقافتهم وذوقهم".
 
ويفسر "لكل صوت فيه وظيفة خاصة، فهي كانت بحاجة إلى تأثير التآلفات الحالمة ذات الألوان القوس قزحية غير المنتمية بعضها إلى بعض، وكان المؤلف الفرنسي كلود ديبوسي (1862-1918 ) حامل لواء التأثيرية الموسيقية".
 
أما في الجانب العملي، يقول سكرية "فإن مثل هذا النوع من الموسيقى يسمى Program Music الموسيقى البروجرامية أو الموسيقى البرنامجية حيث ترتبط الموسيقى بالدراما أو الشعر أو لوحة لتصور تفاصيلها بالموسيقى من غير كلمات، أي أنها بعيدة عن مجال الأغاني . فيقوم المؤلف بكشف الانفعالات النفسية في خبايا اللاشعور وإطلاق العنان للعواطف والانفعالات المكبوتة لتتجسد في العمل الفني دون التقيد بالقواعد التقليدية للتأليف الموسيقي". 
 
ولأن قمة الإبداع في الرسم يجعل من اللوحة موسيقى، وقمة الإبداع في الموسيقى يجعل من اللحن لوحة فنية كما يؤكد سكرية، فقد قام بتطبيق تجربته الخاصة في تمازج ألوان مع النغمة فكتب سيمفونية تصويرية بعنوان "وادي رم" تتكون من حركتين: الأولى سريعة "Allegretto" بعنوان "الشروق في وادي رم" ومن خلالها يصف قوة الطبيعة وعظمة الجبال الشامخة كالعمالقة وكأن فيها روح، ويكون هذا التصوير من خلال جمل موسيقية قوية وسريعة ومتلاحقة تدل على العظمة تؤدى بأسلوب قوي من الآلات الموسيقية ومن خلال هارموني خشن يميل في الغالب إلى التنافر القوي الذي يخلق جو من الانفعالات النفسية لدى المتلقي تأخذه إلى أعلى جبال رم الشامخة.
 
ويقول سكرية "قمت بتصوير قوة الصحراء من خلال الكتابة الأوركسترالية مستفيداً من أساليب التوزيع الموسيقي للآلات والذي يتيح لي خلق ناتج سمعي متباين الألوان، كل لون يدل على صورة من صور الشروق في وادي رم ، فمثلاً : قمت بتصوير اختلاف صور الجبال التي تراها عين المشاهد الذي ينظر إليها بشكل متوالي، من خلال جملة موسيقية قوية تنتقل من مجموعة إلى مجموعة أخرى متباينة معها في الطبقة الصوتية للدلالة على تباين الجبال من حيث الطول ودرجة اللون -الظل والنور-".
 
ويضيف "قمت بتصوير جو الصحراء من خلال استخدام لحن مليء بالشجن يؤدى من آلات النفخ الخشبية ترافقه تآلفات هارمونية تؤدى من خلال الآلات الوترية، وهذا يرمي بظلاله على المستمع ليتخيل المساحات الواسعة في الصحراء، ولا أنسى أبداً في مؤلفاتي أن ابرز هويتي العربية وذلك باستخدام الإيقاع الشرقي الذي بدأ بشكل مفاجئ بعد الجمل الموسيقية القوية ، وهذا يرمز إلى خصوصية رم الأردنية. كما استخدمت العديد من المزيج الصوتي والهارموني لتجسيد صورة وادي رم وقت الشروق". 
 
أما الحركة الثانية من السيمفونية بطيئة Lento بعنوان "الغروب في وادي رم" ومن خلالها يصف رومانسية المكان وقت الغروب واختباء الشمس خلف الجبال وروعة المنظر وسحر الطبيعة، ويكون هذا التصوير من خلال الجمل ذات الطابع الرومانسي الحالم التي تؤدى بأسلوب ضعيف وبطيء مع استخدام الهارموني المتوافق لخلق جو من الانفعالات النفسية لدى المتلقي تأخذه إلى داخل صورة الغروب في رم .
 
ويبين سكرية انه في مثل هذا النوع من الموسيقى "ينتج عنه اختلاف تأثير اللحن على المتلقي كل بحسب حالته النفسية والعاطفية ، فيعيش كل منهم في حالة مختلفة ولكن يجمعهم وادي رم وقت الغروب ، تلك الصورة التي لا يستطيع أي فنان أو متذوق رفيع المستوى إلا أن يتأملها طويلاً ، ولقد قمت بتصوير مراحل غروب الشمس من خلال تنوع العزف المنفرد الذي بدأه عازف الكمان ثم انتقال اللحن إلى مجموعة أخرى ثم مجموعة أكبر دلالة على الغروب التدريجي الذي تترقبه العين ، إلى أن يصل المطاف باللحن نفسه أن يؤدى من قبل الأوركسترا جميعاً بشكل يلفت الانتباه كما تلفت الصورة الأنظار ، ويؤدى اللحن بأسلوب التبطيء التدريجي ليصور اختفاء الشمس واختبائها خلف الجبال . كما صورت الأجواء الشرقية وعبق التاريخ من خلال استخدام المقامات الشرقية بأسلوب الكتابة الكنتربنطية أي المحاكاة بين الآلات والتي تلهم مشاعر المستمع العربي".
 
ويقول سكرية "قمت بتأليف هذه السيمفونية التصويرية بكل مراحلها وأنا أتأمل صور عديدة لجبال وادي رم في وقت الشروق ووقت الغروب فالصورة الجميلة هي الشرارة الأولى التي يستلهم منها المؤلف أفكاره الموسيقية ، كما أن للموسيقى الجميلة وقع خاص على الرسام تلهم ريشته إلى تصوير الألحان".
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حورات, فن وتشكيل, موسيقى وغناء | السمات:, ,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



 

 

إذا عَطِشتِ وكانَ الماءُ مُمتَنِعاً
فلْتَشْرَبِي مَنْ دِمَاءِ الزِنْدِ يا بَلَدي
وإذا سَقَطْتُ على دربِ الفِدا قِطَعاً
أوُصيكَ أوُصيكَ بالأُردُنِ يا وَلَدي