ساعات من الشمس والماء والرمال.. شاهدة على الحضارات
كتبهاسارة القضاة ، في 24 آذار 2007 الساعة: 13:50 م
ساعات من الشمس والماء والرمال..
شاهدة على الحضارات

سارة القضاة
لطالما كان الوقت مفصلا اساسيا في التاريخ، فنحن نخضع للزمن ونعيش مع انسياب دقائقه، ولطالما ارتبطت الساعات بالنهضة الثقافية والحضارية، فتزينت المدن بساعات اصبحت مع مرور الوقت علما تاريخيا، ومزارا سياحيا، بل والاهم من ذلك: شاهدة على الحضارات.
وفي عواصم العالم اصبحت الساعات متاحف متنقلة، واجمل معلم تتباهى به شعوب العالم، ولعل اشهرها ساعة "بغ بن" التي تتوسط احدى ساحات عاصمة الضباب البريطانية لندن.
وكان قياس الوقت الشغل الشاغل للانسان منذ القدم، فكانت اول ساعة شهدها العالم "الساعة الشمسية"، التي اخترعها الانسان الاول لتقدير الوقت، وكتب عنها العالم الخوارزمي، وكان العرب المسلمون يستخدمونها لتحديد أوقات الصلاة.
واختلف المؤرخون في تعيين أي من بلدان الشرق مهد الحضارات كان له فضل الاسبقية في ابتكار الساعة بانواعها ولا احد يستطيع ان يقرر من هو اول من ادرك فكرة استعمال الساعة لقياس الوقت ولكننا نعلم بان الانسان القديم استعمل الساعة الشمسية منذ زمن بعيد يرجع تاريخه الى العصر الحجري.
ويطلق على الساعة الشمسية اسم "المِزْوَلَة"، لأنها تعتمد على زوال ظل شاخصها ليكون وقت الظهر، ويقدر تاريخ ظهورها إلى العام 3500 ق.م.، وتتألف في أبسط أشكالها، من عصا عمودية أو شاخص رأسي مغروس في الأرض، ويتحدد الزمن بتحديد طول الظل الساقط للعمود على الأرض، أو على المستوى الأفقي.
ويعتقد أن الصينيين هم أول من استخدم المزولة، ثم نقلتها عنهم الشعوب الأخرى. وقد وجدت المزولة لدى قدماء المصريين، ويبدو أن ظهورها في القرن الثالث عشر ق. م، قد ترافق مع ظهور المسلَّة الفرعونية التي يعتقد أنها استخدمت كمزولة، كما أخذ الإغريق المزولة عن المصريين، وصنعوا منها أنواعاً كثيرة.
ولان للمزولة عيوب، ابرزها انه لا يمكن استخدامها إلا نهاراً عندما يكون الطقس صحواً، وب ـ يجب استخدامها في المكان الذي تم صنعها فيه حسب خط العرض، والوقت الذي تقيسه غير متساوٍ لأن الأيام تختلف أطوالها باختلاف الفصول، كان لا بد من ايجاد طرق اخرى لاحتساب الوقت.
ومن هنا جاءت فكرة الساعة المائية، فقد أدرك الإنسان سريعاً الحاجة لإيجاد آلات تقيس الوقت دون الحاجة لوجود الشمس، فاستخدم الساعة المائية ليلاً ونهاراً، وفي حالة الطقس الغائم. وهي قديمة قدم المزوال، وكانت تستخدم في مصر القديمة وفي بلاد الإغريق منذ أكثر من ألفي سنة.
والساعات المائية، عبارة عن إناء يملأ بالماء ثم يتسرب منه الماء عن طريق ثقب صغير في قاعدته. وكانت هذه الأواني تختلف باختلاف فصول السنة حتى تصبح ساعة الصيف أطول من ساعة الشتاء.
ولم تكن هذه الساعة دقيقة نظراً لاختلاف ضغط السائل في إناء ممتلئ حتى حافته عنه في حالة نقص الماء إلى نصفه مثلاً، كما أنها كثيراً ما كانت تفسد، لا سيما حينما يتجمد ماؤها، ومن هنا جاءت الساعات الرملية.
وكان اول من استخدم الساعة الرملية المصريون "الساعات الزجاجية أو الرملية"، وسميت بالساعة، لأن الرمل كان يستغرق ساعة من الزمن لينسكب من زجاجة إلى أخرى.
وبعد اكتشاف الانسان طريقة حساب الزمن، اصبحت الساعة كائناً لصيقا بالانسان، وصار لا بد من تطوير وسائل اكثر سهولة ومرونة لحساب الوقت، وكانت الساعة الرملية تشبه الساعة المائية كثيراً، إلاّ ان العرب قاموا بتطويرها، لتصبح ساعات تبين الوقت أو أية ساعة من ساعات اليوم.
واخذت صناعة الساعات بالاتساع والتطور في عصر النهضة، حيث تم صناعة أول ساعة على شكل مسدس في فرنسا، وكانت أول صناعة للساعات هي الساعات المنضدية، وكان الايرانيون قد ابتكروا أول ساعة جيب شمسية في القرن السابع عشر الميلادي ونقش عليها أشهر أسماء المدن الإسلامية على وجه الغطاء.
وفي القرنين الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين تم صناعة الساعات الميكانيكية فكانت منها الساعة اليدوية والمنبهة، وفي القرن السابع عشر الميلادي تم اختراع أول ساعة بالبندول، وفي القرن التاسع عشر صنعت الساعة الكهربائية، ثم جاءت في القرن العشرين ساعة الكوارتز، فالساعة الذرية التي تعتبر أدق ساعة صنعت حتى الآن.
ويقال ان أن أقدم ساعة في العالم هي ساعة صينية صنعها "لينغ ستان" في العام 760م , أم أقدم ساعةباقية إلى يومنا هذا فهي ساعة كاتدرائية ساليسبوري ويعود تاريخ صنعها إلىالعام 1386م , وقد جددت في العام 1956م.
ولعل اشهر ساعة في التاريخ هي ساعة لندن الشهيرة "بيغ بن"، والتي بدأ عملها في العام 1859، ويرجع اسمها إلى اختصار اسم بناجامين هول وزيرالأشغال البريطاني آنذاك، والذي أشرف على تنفيذ مشروع الساعة وتصميم برجها، وتعد الساعة التي تزن حوالي 12.5 طن ومثبتة في برج لندن من أهم المعالم التي يحرص السائحين على زيارتها.
وتشتهر "بيغ بن" بدقتها المتناهية في قياس الوقت، وتعتبر دقاتها رمزاً للتوقيت العالمي، ويزن جرسها حوالى ثلاثة عشر طناً، ويبلغ طول عقربيها 9 و14 قدماً. وتوجد الساعة في برج القديس استيفان في الجزء الشمالي من مبنى البرلمان في دائرة ويستمنستر في العاصمة البريطانية، وبرج الساعة طوله 320 قدماً.
وفي التاريخ العربي تعد ساعة "شارلمان" ابرز حدث يؤرخ لبداية الابتكار والاختراع، وهي الساعة المائية التي اهداها هارون الرشيد الى الملك الفرنسي شارلمان، والذي اصابته الدهشة وهي اول ساعة عرفت في اوروبا وكان ذلك عام 807م، اذ كانت ساعة جميلة ودقيقة الصنع.
وهي من أروع الساعات المائية التي صنعها العرب، وكانت مصنوعة من البرونز المطعَّم بالذهب، وكان بمينائها اثنا عشر باباً صغيراً يمثل كل منها ساعة من الساعات، بحيث ينفتح كل باب إذا حلت الساعة، ويصحب ذلك كل مرة سقوط كرات من النحاس الأصفر على قرص من النحاس الرقيق، بحيث يدل عدد الكرات على الساعة التي حلت بها من النهار أو الليل.
واجتمع علماء شرلمان للنظر إلى هذا الاختراع الخطير في حينه، وقالوا إن هذه الساعة المائية بداخلها الجن، حيث يقومون بنقل الماء من طرف إلى آخر فيسمعون بذلك دقات الساعة المائية، واستمرت حالة الذهول والانبهار لعلماء الغرب من هذه الساعة المائية السحرية، إلى أن حضر إليهم أحد علماء العرب من بغداد ليشرح لهم عنها.
كما عرف العراقيون بولعهم بالساعات وشغفهم بقياس الزمن، ولذا نجد مدينة بغداد تهتم بالساعات وتجعل لها ساحات ونصباً معروفة ومن اشهرها ساعة "القشلة" وساعة "المستنصرية" التي يرجع تاريخها الى اواخر العصر العباسي.
وعرفت بغداد الساعات الكبيرة ذات الابراج العالية على غرار المنائر ايام حكم الوالي العثماني المصلح مدحت باشا، حيث شيد أول مرة في تاريخ بغداد هذا النوع من الابراج لينصب في اعلاه ساعة "القشلة" الشهيرة، وزينت اضرحة الائمة والصالحين بساعات تنتصب في اعالي البنايات ومن اشهرها ساعة الشيخ عبد القادر الكيلاني وساعة الامام ابي حنيفة النعمان والساعة التي تزين ضريح الامام الكاظم.
ومن بين اهم واجمل الساعات التي تعتز بها الذاكرة العراقية الساعة التي تزين المحطة العالمية للسكك الحديد، وساعة الزهور التي نصبت حينا في احدى ساحات متنزه الزوراء، وقد اشتهرت جماعات بحرفة هذه الساعات فعرفوا الساعاتيين ومفردها "ساعاتي".
ومن اجمل الساعات التي زينت التاريخ العربي والاسلامي، ساعة قصر الحمرا او "ساعة الماء" كما عرف عنها، وهي الساعة التي شيدها حكام غرناطة المسلمين في الأندلس بعد سقوط دولة الموحدين في القرن السابع الهجري.
وتوجد الساعة في بهو الأسود هو من أجمل أجزاء القص، اذ تحدّده سلسلة من الأعمدة وتتوسطه نافورة مياه صغيرة يحيط بها اثنا عشر أسدا من الرخام الأبيض، وتُعرف هذه النافورة بـساعة الماء.
وكانت المياه الخارجة من أفواه الأسود تشير إلى الساعة، وزخم المياه كان يشير إلى الدقائق، الا انه ما تزال الساعة الى اليوم لغزا عصي الحل.
اما حلب، شهباء سورية، فتفتخر بساعاتها التاريخية الشاهدة على إنجازات الحضارة العربية، فقد اشتهرت حلب بإسهاماتها الفلكية، ففي المكتبة الوقفية هناك "صندوق الياقوت الجامع لأعمال المواقيت" الذي أبدعه في العام 1365م علاء الدين بن الشاطر.
وفي الجامع الأموي الكبير في حلب هناك عدة وسائل للتوقيت الفلكي وهي: ساعة الظل، وهو خط محفور على الدرجة الوسطى من ثلاث درجات حجرية يصعد عليها إلى الرواق الشمالي، والمزولة الشاقولية وهي رخامية معلقة على الوجه الجنوبي لأحد أعمدة الرواق الشمالي بالجامع.
وأهم آلة توقيت باقية حتى اليوم في جامع حلب الكبير، تلك الآلة التي تجمع بين الساعة الشمسية والإسطرلاب، وتقع في عرض صحن الجامع، وهي عبارة عن قرص من المرمر الأبيض مثبت على عمود حامل من الحج، ويحيط به صف من الأسنان الحديدية، وترتسم على سطح القرص عدد كبير من الخطوط المستقيمة والمنحنيات المتقاطعة أو المتوازية أو المتناظرة، حول أربع مؤشرات معدنية تشير بظلها أو سمتها إلى مواقع ستة أبراج فلكية على قوس إلى اليمين، يناظره إلى اليسار قوس ستة أبراج أخرى، كما تبين مغرب التساوي ومشرق التساوي، إضافة إلى خط الزوال ومواقيت العصر والمغرب.
ولعل اهم ساعة في تاريخ المملكة العربية السعودية "الطنطورة"، وهي ساعة شمسية من بناء حجري هرمي يتميز بالدقة الهندسية، يستخدم كمزولة شمسية لمعرفة الفصول ودخول مربعانية الشتاء وتوزيع مياه العيون على المزارعين، وتقع هذه الساعة في مدينة العلا في الجزء الشمالي الغربي من المملكة العربية السعودية.
اما عرب الجاهلية فقد كانوا يتعرفون على الأوقات بظلال الجدران والتلال والجبال وقامة الإنسان وتلون السماء، وعندما جاء الإسلام، كان المسلمون بأمس الحاجة إلى تحديد مواقيت الصلاة بصورة دقيقة. ومن هنا استطاع العرب تطوير المزولة الكلدانية والإغريقية، وقسموها إلى اثني عشر قسماً، فقاموا بعمل نماذج عديدة منها مستخدمين مبادئ علم المثلثات.
واليوم، ينشغل خبراء من المغرب العربي واجانب في فك ألغاز اول ساعة مائية شُيّدت في مدينة فاس العتيقة في القرن الثالث عشر, والتي شيّدها ابو الحسن بن علي التلمساني، وكانت تعمل وفق نظام دقيق يجمع بين صبيب المياه وتحريك عقارب الساعة بواسطة حبال ينتج عنها سقوط كرة معدنية تحدد التوقيت.
غير انه رغم الدراسات التي أُنجزت والابحاث التي استحضرت طرق تحريك الساعة المائية المنتصبة قبالة باب المدرسة البوعنانية، نسبة الى السلطان المريني ابو عنان الذي أمر بتشييد الساعة، فإن الرهان لا زال قائماً على امكان معاودة دقّاتها في نهاية السنوات الثلاث المقبلة, اي بعد مرور 750 سنة على انشائها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : نصوص ومقالات | السمات:نصوص ومقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 25th, 2007 at 25 مارس 2007 1:58 ص
الاخوة الاعزاء
اكون سعيد جدا لو تكرمتم وقرأتم ماتبقى من قصة ((شيء يدعى الحب ))
عبدالله الواسطي مؤسس جمهورية النوم العربي
أبريل 7th, 2007 at 7 أبريل 2007 11:38 م
شكرا على المعلومات القيمة …
رغم ان العرب قد ساهموا بشكل فاعل في النهضة العلمية بمختلف اشكالها وقد ذكرت نموذجا من ذلك , الا ان الأمة العربية والشباب العربي بالذات فاقد حاسية ” الشعور بالوقت” في هذه الايام نتمنى ان ترجع الأمة العربية الاسلامية لسابق عهدها وأكثر
لنا كبير الشرف بزيارتكم أخت سارة , لي أصدقاء من أهل الاردن وخاصة من منطقتكم محافظة الكرك
مايو 25th, 2008 at 25 مايو 2008 2:39 م
شكرا وايد ساعدتموني