أنتَ من يتأمل جثة حب في طور التعفن
لا تحتفظ بحب ميت في براد الذاكرة
أكتب
لمثل هذا خلقت الكتابة!
~~~~~~~~~~~~~~~~
 
 
 
 
 

تي إس إليوت.. انفعالات دفينة

كتبهاسارة القضاة ، في 5 شباط 2007 الساعة: 08:57 ص

تي إس إليوت.. انفعالات دفينة
 
 
 
 
"مهمة الشاعر ليست في أن يوجد انفعالات جديدة وإنما في أن يستخدم الانفعالات المألوفة، وتبعاً لذلك فالشعر ليس تعبيراً عن الشعور بل هو ترويضٌ له وتقييد، وليس تعبيراً عن الذاتية بل هو هروبٌ منهما"..
 
كريغ ريني**
ترجمة بتصرف - سارة القضاة
ولد تي إس إليوت في مدينة سانت لويس في ولاية ميزوري الأميركية في 26 أيلول من العام 1888، وتوفي في لندن عن عمر 77، حيث كان في ذلك الوقت قد فاز بجائزة نوبل للآداب في العام 1948، وفي العام نفسه تلقى إليوت وسام الاستحقاق، وهو أهم الأوسمة البريطانية تكريما للتميز.
وكان إليوت من أكثر النقاد الأدبيين تأثيرا وتسلطا في القرن العشرين، إضافة إلى انه كان ناشرا مميزا في دار "فابر وفابر" للنشر، حيث نشر هناك أعمالا لشعراء إنجليز مهمين أمثال و.هـ. أودين، لويس ماكنيس وستيفين سبيندر.
ويعتبر إليوت من ابرز ممثلي الشعر الحر وحركة الحداثة في الشعر وكذلك المدرسة الصورية، من قصائده الأولى "بروفروك ومشاهدات أخرى" عام 1917، و"الأرض اليباب أو الخراب" عام 1922، التي تعد بإجماع النّقاد أروع واعقد أعماله والأكثر إثارة للجدل على الإطلاق، و"الرجال" و"الخوف" وكلّها تعّبر عن القنوط الذي يعتلي الحياة الحديثة في إيقاعات ثائرة.
وكمحرر، كان لأليوت تأثير مهم على مجلة "السريتيريون"، التي عمل فيها في الفترة من 1922 إلى 1939، حيث قام بنشر اعمل أدبية لكل من الأديب الفرنسيأندريه جيد، الأديب الألماني توماس مان والروائي الفرنسي مارسيل بروست، وفي هذا إشارة إلى توجهه الثقافي الأوروبي، ودليل على وصوله إلى قبة السماء الأدبية.. فهو شخصية عالمية ذات أهمية كبرى.
وفي وقت متأخر من حياته المهنية، استطاع إليوت أن يبهر الجميع بقدراته على كتابة المسرحيات الشعرية، ليصبح اشهر شاعر في عصره، وذلك لان أهمية أشعاره جاءت من صعوبتها وتعقيداتها.
وفي السادس من آذار العام 1950 ظهر إليوت للمرة الأولى على غلاف مجلة "التايمز" البريطانية، وفي نيسان العام 1956 حاضر إليوت أمام 140 ألف شخص في ستاد للكرة القاعدة في "مينيبوليس"، حيث تحدث عن "حدود النقد".
وعلى الرغم من الاحتفالات التي كان يحظى بها إليوت، إلا أن شهرته انحصرت في الأدب، فقد كان شخصا منطوٍ. وكان كتب جيلبيرت هاردينغ، وهو مذيع بريطاني مشهور نسيه الناس اليوم، انه شعر بالخجل حين كان في احد الأنفاق اللندنية وأشار إليه الناس، في الوقت الذي تجاهل فيه الناس إليوت – أعظم شعراء العصر – ولم يميزوه.
لقد كانت حياة إليوت، كحياة عدد من الكتاب والشعراء الذين امضوا جل وقتهم على مكاتبهم، خالية من الأحداث المهمة، مقارنة مع أدباء آخرين كأرنست همنغواي مثلا، فقد وصف إليوت نفسه في كتاب "نقد النقد، بأنه "رجل دمث الأخلاق، يتحصن بحرص وراء آلة الطباعة"، وتدور أشعار إليوت حول فكرة رئيسية بارزة "حياة غير مكتملة تماما".
لكن حياة إليوت الخاصة كانت مليئة بالدراما الهادئة، وخالية من التهور والطيش، فقد كان رجلا مجتهدا في كتابة رسائله، يكد في القراءة، التحرير وإعطاء المحاضرات، دون كلل أو ملل.
ومن ثم دخلت حياته الشاعرة الأميركية فيفيان هايغ وود، الواعدة في عملها كفيلسوفة في الأكاديمية الأميركية للآداب المتخيلة في الدول الأجنبية، والتي سرعان ما ارتبط بها وتزوجها بعد أسابيع قليلة من تعرفه إليها.
وبالرغم من أن فيفيان كانت كريمة معه، وزوجة محبة له، وعلى الرغم من أن إليوت كان قد قال في رسالة لبيرتراند رسل انه "لم يكن أكثر سعادة في حياته مثل الأيام التي قضاها مع فيفيان"، إلا أن الزواج لم يكن ناجحا.
ففي رسالة كتبها لكونراد أيكين، قال إليوت انه "قلقه المالي، وخوفه على صحة فيفيان المتراجعة قد أوقفته عن الكتابة"، إلا انه أكد "لكنني ، بالرغم من كل هذا، اقضي وقتا رائعا".
وفي العام 1933 انفصل إليوت وفيفيان عن بعضهما بحكم القضاء، وذلك بعد خيانتها له مع معلمه السابق بيرتراند رسل، وأصيبت فيفيا بالجنون، وأُدخلت في العام 1938 في مشفى نفسي سري في لندن، حيث توفيت هناك في العام 1947. وبعمر 69 عاما تزوج إليوت سرا من فاليري التي تصغره بأربعين عاما.
وانضم إليوت في العام 1927 إلى الكنيسة الإنجليزية، وأصبح مواطنا بريطانيا معتنقا للمذهب الكاثوليكي،  فيما بعد فتغّيرت آفاقه وتعمّقت أشعاره بالمعاني الدينية كما في "أربعاء الرماد" عام 1930، وقد كتب المسرحيات الشعرية التي لاقت نجاحا كبيرا في الإخراج ومنها "سويني أجونسستس" عام 1932، و"جريمة قتل في الكاتدرائية" عام 1935، و"حفلة الكوكتيل" عام 1950، و"اجتماع شمل العائلة" عام 1939، وتعتبر مقالاته في النقد من أفضل ما كتب عن أدب القرن 17، ومن كتبه في النقد "مقالات قديمة وحديثة" عام 1936، و"فائدة الشعر وفائدة النقد" عام 1933.
وبالنظر إلى أن ابرز الأحداث في حياة إليوت كانت وجدانية إلى ابعد الحدود، فتبدو فكرة التركيز على حياته "المدفونة" والغير مكتملة فكرة غريبة، إذ أن قرارات إليوت الدراماتيكية كانت نابعة من خوفه من عيشه حياة غير مكتملة، كانت خيارا بعدم الثقة لا خيار المغامرة.
ويأتي هذا المبدأ من الأدب نفسه لا من الحياة، فمن المهم أن ندرك أن الكتاب الذي عاشوا حياة كاملة يعني أنهم عاشوا جوهر الحياة "الحياة الفكرية"، فقراءة المسائل بصورة كئيبة هو مسألة من الشغف أيضا.
وهذا التناقض، بين المجازفات التي وقعت في حياة إليوت وبين المبدأ الذي سيطر عليه لإضعاف حذره، يجعل من الصعب المساواة بين سيرة حياته وبين شعره، فشعر إليوت لا يرتبط بحياته الشخصية، بل أن معرفة حياته الخاصة لا تساعدنا كثيرا كقراء على فهم شعره.
  ويبدو الرابط بين الحياة والإبداع إشكاليا في حالة إليوت، لأنه اعتنق نظرية عدم شخصنة الإبداع العظيم، وهذا ما بينه في مقالته "العرف والموهبة الفردية"، فغياب الشخصنة عن أعمال إليوت تصف العملية الإبداعية وتوجهها، ويقول إليوت "كل شيء من وجهة نظر واحدة ذاتي ومن وجهة نظر أخرى موضوعي، فلا يوجد على الإطلاق وجهةنظر يمكن على أساسها صنع أي قرار".
مقالة إليوت كانت كلاسيكية، مقالة جمالية كان الحافز فيها – بالضرورة- سلبيا، يتم تعريفها بأنها نقيض الرومانتيكية، فوظيفة الرومانتيكية تقدير الأحاسيس العميقة والقوية، لتجعل منها مركزا لكل الانجازات الإبداعية.
وكان خطأ إليوت انه كان مصمما على الهدم: "في الإبداع ليست "العَظَمة"، أو قوة المشاعر، أو عناصر ومقومات هي التي تهم، بل العمق في العملية الإبداعية نفسها هو الذي يؤخذ بعين الاعتبار.
ويعني إليوت بعدم شخصنة الإبداع العظيم: الموضوعية، التجرد، النزاهة، التميز، والتحكم في الصدفة والأحداث الطارئة، فالشخصنة التي تهدد الإبداع، كما يراها إليوت، مرفوضة.
إلا أن هذا لا يعني، ولا يمكن أن يعني أن على الإبداع أن يتجرد من كل ما هو شخصي، فعلى العكس، يؤكد إليوت على أن المشاعر والأحاسيس هي التي تصنع الفن والإبداع، فالمشاعر هي عناصر الإبداع، ولكنها يجب أن يتم وضعها في قالب ما.
فالموهبة الفردية التقليدية تنم عن موضوعية عير مبنية في الإبداع، فالمشاعر العميقة لا يمكن أن تصنع من الإنسان شاعرا، وإلا لكان كل سكران، أو مهووس بكرة القدم، أو متعصب دينيا يطابق هذا التعريف، فالإبداع يعني الابتكار.
وفي النهاية، نبقى أمام الشعر المتروك لنا، فهو الذي يخاطب أي قارئ مهتم، إذ تختلف وظائف الشعر حتما مع تغيّر المجتمع ومع تغيّر الجمهور، كما يقول إليوت.
 
 
*صحيفة الجارديان البريطانية
** ناقد وشاعر إنجليزي، ومؤلف كتاب "تي إس إليوت" من منشورات جامعة أوكسفورد.
 
 
 
 
 
مقاطع من قصيدة إليوت "زمن التوتر"*:
 
أين تكون الكلمة ، أين تدوّي
هنا في البحر، في الجُزر ، على اليابسة
في ارض المطر، أو ارض الرمل
هنا، لا صمت يكفي أولئك الذين يسيرون
آناء النهار و آناء الليل
الزمن الصحيح غائب و المكان الصحيح غائب
*****
ما تزال الأشرعة البيض تتجه نحو البحر
و نحو البحر تطير أجنحة غير مكسورة
و إلى العُصيان تُسرع الروح الضعيفة
و أصوات البحر الضائعة
و يُسرع الليّلك الضائع
*****
و تخلق العينُ العمياء
أشكالا فارغة بين الأبواب العاجية
و تسترجع المالح للأرض الرملية
هذا هو مكان الوحدة
حيث تعبر الأحلام بين الصخور الزرق
هذا هو زمن التوتر
بين الموت و الولادة
 
 
*المصدر: الانترنت
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ترجمات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “تي إس إليوت.. انفعالات دفينة”

  1. تي اس اليوت من اعظم شعراء القرن الماضي، على الرغم من ان قصائده صعبة جدا الا انها عميقة ومعبرة، اشكرك على هذا المقال الرائع وعلى هذه الترجمة المميزة

  2. اخت سارة

    مدونك جميلة كلها أدب وثقافة

    وانت بالاصل صحفية تستحق التقدير

    الى الامام

    محمود الداوود

    modor.maktoobblog.com

  3. الزمن الصحيح غائب و المكان الصحيح غائب

    حيث تعبر الأحلام بين الصخور الزرق
    هذا هو زمن التوتر
    بين الموت و الولادة

    اشكرك كثيرا على هذا المقال الذي يذكر الناس بالابداع وتعرقه وبمبدع كبير مثل اليوت
    وارضه اليباب
    تحياتي لك فقد استمتعت كثيرا هنا

  4. ..

    سارة

    ..

    ترجمة شهية لمقاطع القصيدة

    لمست روح الشعر بدقة

    ..

    أحييك على اسهامات الغنية في الترجمة

    ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



 

 

إذا عَطِشتِ وكانَ الماءُ مُمتَنِعاً
فلْتَشْرَبِي مَنْ دِمَاءِ الزِنْدِ يا بَلَدي
وإذا سَقَطْتُ على دربِ الفِدا قِطَعاً
أوُصيكَ أوُصيكَ بالأُردُنِ يا وَلَدي