قليل من الفن، قليل من العلم، وقليل من التحقيقات الجنائية
كتبهاسارة القضاة ، في 27 كانون الثاني 2007 الساعة: 09:57 ص

سيمون أ. كول**
ترجمة: سارة القضاة
كتب الفرنسي إدموند لوكارد، الرائد في مجال علم التناظر الجدلي، أن كل اتصال يترك أثرا، وانطلاقا من هذا المذهب، المعروف بمبدأ لوكارد للتبادل، يبدو أن تاريخ الفن يقدم مادة غنية لعلماء التناظر الجدلي، فعبر التاريخ، كان للفنانين اتصال وثيق بأعمالهم الفنية، وغالبا ما ترك هذا الاتصال أثارا واضحة على أعمالهم.
ومؤخرا، أصبح الفن العالمي مشبعا بقصص وحكايات حول بصمات وآثار الرسامين على أعمالهم، وكان ابلغ عالم الأنثروبولوجيا الإيطالي لوجي كاباسو، أن الباحثين نجحوا مؤخرا إعادة تجديد بصمات خلفتها أصابع اليد اليسرى للفنان ليوناردو دافنشي، حيث تم حفظها بالحبر على 52 ورقة امسكها دافنشي.
وأعلن كاباسو أن البصمات التي تم العثور عليها على الأوراق نادرة، إذ أنها دليل واثر بيولوجي من آثار الفنان دافنشي.
ولعل أكثر الأنباء السارة إثارة، مما تبين من خلال تحليله، هو ما ادعاه بأن البصمات نموذج من نوع البصمات "الوسطي الدائري"، مما يدعم التخمين السائد بأن والدة دافنشي لم تكن فلاحة توسكانية، بل أَمَةٌ شرق أوسطية، تم إحضارها إلى توسكاني من القسطنطين.
ويبدو أن مثل هذه القصص تلعب دورا معطلا في الثقافة المفترضة بين الفن والعلم، إذ لطالما تم النظر إلى تاريخ الفن على انه نظام "لين"، يقطنه أنواع مختلفة من المثقفين، يقومون بإطلاق أحكام ذاتية، مناقضة لبرودة موضوعية العلوم الصعبة.. لكن، قد يكون الفن والعلم أكثر تشابها مما نعتقد.
ويسرد الفيلم الوثائقي "من هو جاكسون بولاك"، الذي أخرجه مؤخرا في نيويورك هاري موسيز، القصة المألوفة عن تيري هورتون، سائقة الشاحنة المتقاعدة من كوستا ميسا – كاليف، والتي تدعي أنها وجدت لوحة لبولاك في متجر للتوفير.
وتاريخ اللوحة غير معروف حتى الآن، وقد باءت محاولات هورتون في السعي للحصول على توثيق ومصادقة للوحة من خلال خبراء بالفشل مرارا.
إلا أن خبير علم التناظر الجدلي بيتر باول بيرو، والمعذب بالأمل الخادع، وجد بصمة على خلفية اللوحة تطابق بصمة بلاستيكية تم الاحتفاظ بها في محترف بولاك، الموجود شرق هامبتون في نيويورك.
ولعل الغموض الرئيسي في هذه العلاقات هو كيف يعتبر مجموعة من خبراء الفن بصمة إصبع كورقة رابحة! وأكثر ما يأسر المشاهد في هذا الفيلم هو مخاطبته لغريزة الخبراء.
وأصر خبراء الفن الذين حاورهم الفيلم الوثائقي، مثل توماس ب. هوفينغ، المدير الأسبق لمتحف الميتروبوليتان للفنون، إضافة إلى عدد آخر من المجهولين، على رفض وإنكار مصداقية اللوحة أمام المؤسسة الدولية لأبحاث الفنون.
وظهر رفض هوفينغ العنيد ممثلا لرأي النخبة، فقد قال "أنا خبير وهي ليست كذلك!"، وأضاف: "العلماء ممتعون، لكنهم يأتون بعد الخبراء الحقيقيين".
ويبدو أن مصداقية الفن هي المتراس الأخير للمعرفة البشرية، الساحة الأخيرة التي تطغى فيها كلمة المؤرخ الفني على عالم التناظر الجدلي، وذلك بمقدار يفوق العشرة ملايين دولار.
وتظهر تحليلات بصمات اليد في هذه الأثناء وكأنها مبتغىً يكتنفه الضباب، وعلى الرغم من المشكلات المتعلقة بإظهار الإثباتات والمجادلة حول ما إذا كانت لوحة هورتون تملك نفس "الطاقة والحيوية" التي تنبعث من لوحات بولاك الحقيقية، لا يستطيع المرء إلا أن يتساءل: هل يستطيع احد المجادلة في المصداقية التي تظهرها مطابقة بصمات الأصابع الموجودة على اللوحة وتلك الموجودة في محترف بولاك؟
ولا بد أن نوضح حقيقة انه لا يوجد شيء يدعى "تطابق مثالي للبصمات"، فكل دمغات البصمات، حتى تلك القادمة من الإصبع نفسه، فيها على الأقل اختلاف بسيط، ولكن الموضوع أن هناك حكم شخصي من قبل خبير البصمات يؤكد أن البصمتين تنحدران من المصدر نفسه.
وبالطبع، يبدو هذا الكلام تماما كتوثيق مصداقية الفن، والذي يسعى إلى تحديد ما إذا كان العمل الفني ينتمي إلى "اليد" نفسها دون مجال للمناقشة أو الشك فيه.
وعلى عكس ما تقوله الأسطورة، فإن الخبراء لا يبنون نسبة البصمات للأشخاص على مقاييس علمية، بل يعتمدون على تقديرات بصرية شخصية تؤكد ما إذا كانت سمة البصمات تبدو متطابقة.
ويبني خبراء البصمات - كخبراء الفن - أحكامهم بناء على الخبرة؛ فالوقت الكبير الذي يخصصونه لدراسة البصمة والتمعن فيها تؤهلهم لإصدار هذه الأحكام، غير أن معظم خبراء الفن يدعّمون خبراتهم بتدريبات مكثفة في تاريخ الفن، وهو ما يفتقده معظم خبراء البصمات الذين يفتقرون إلى التدريبات اللازمة في العلوم.
ففي العام 2002 جادل مجرم مدعى عليه في قضية فدرالية في أن دليل البصمات لا يجوز الأخذ به بدقة، لأنه يمثل حكما شخصيا لا تأكيدا علميا، إلا أن القاضي لويس بولاك الذي ترأس المحاكمة اقر بأنه على الرغم من أن حكم خبراء البصمات يعتبر شخصيا، إلا انه يظل إفادة خبير، وأوضح القاضي منطقه من خلال تمثيل واضح لدور مخمني الأراضي والفنون، والذي تعد معرفته مشابهة لمعرفة خبير البصمات، ويبني أحكامه استنادا للخبرة، ولكن لا يمكن أن تستخدم في المحكمة.
ومن الواضح أن القاضي فشل في الأخذ بعين الاعتبار أننا نتوقع من خبراء البصمات أكثر مما نتوقع من مؤرخي الفن، على الرغم من أن مؤرخي الفن يملكون تعليما رسميا.
ومن المفترض أن هيئة المحلفين يؤمنون بأن الحكم الشخصي لخبراء الفن مبني على خلفية خبير، إلا أن هيئة المحلفين تؤمن بأن البصمات كأدلة هي علم بحد ذاته.
وفي مقال معروف بعنوان "مورلي، فرويد وشارلك هولمز: مفاتيح حل الألغاز والناهج العلمية"، يرسم المؤرخ كارلو جينزبرغ خطوطا متوازية بين تعريف علم التناظر الجدلي وأعمال خبير الفنون في القرن التاسع عشر جيوفاني مورلي.
وينطلق مورلي من مبدأ أن المكان الذي تأتي منه مصداقية العمل هي التفاصيل اللاشعورية التي تظهرها الأعمال الفنية، لا في التفاصيل الواضحة والبارزة بإتقان.
ومن هذا المنطلق المستبصر فهناك علاقات جلية بين هذا المنهج التحليلي وبين بولاك، الذي تعتبر أعماله تصادفية ومتعمدة في آن واحد، واعية ولا وغير واعية، وتم وصف أعماله بأنها اقل الأعمال الفنية القابلة للتزوير.
وناقش جينزبرغ في مقاله فكرة أن مورلي إلى جانب فرويد والشخصية الخيالية شارلك هولمز أشاروا إلى ظهور منهج علمي جديد لتأويل وتشخيص ذو خاصية طبية علمية، والذي اختلف عن المقاييس المبنية على نص المناهج العلمية التي وظفها غاليليو وفيزيائيين آخرين، فخبراء رفع البصمات وخبراء الفنون متشابهون، فهم "مشخصون ومفسرون.
وفي حالة بصمات الفنان ليوناردو دافنشي، فإن إيجاد أصول عرقية من خلال شكل بصماته قد تبدو فكرة خادعة يصعب تصديقها، إلا انه في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ازدهر برنامج بحثي يسعى إلى ربط شكل بصمات الأصابع بالأصول العرقية العالمية؟
وصقل علماء الأنثروبولوجيا النماذج العالمية لبصمات تعود إلى أشخاص ينتمون إلى أصول عرقية متباينة: إنجليزيون، ايرلنديون، يهود، الباسك، اليوربا، الفولاني وشعوب الهوسا.
وعالج علماء الأنثروبولوجيا هذه البصمات بصورة جينية، إذ اعتبروا أن الوراثة والعرقية وحتى الشخصية ما هي إلا رموز في دوائر بصمة الإصبع، واليوم ننظر إلى مثل هذه الأبحاث على أنها سخيفة، إلا أنها لم تكن عقيمة تمام.
فقد وثق الأنثروبولجيون بعض الاختلافات العرقية من خلال الأشكال المختلفة للبصمات، فمثلا الشكل الدائري يظهر لدى 30% من القوقازيين، ويرتفع إلى 35% لدى الآسيويين. وتبدو هذه الاكتشافات مثيرة إذا نظرنا إليها إحصائيا، إلا أنها في النهاية ذات قيمة قليلة حين يتعلق الأمر باستنتاج الأصول العرقية من خلال البصمات.
وتستند الأصول العرقية الشرق أوسطية في بصمات كاترينا دافنشي إلى مزاعم أن ما نسبته 60% من الشرق أوسطيين يمتلكون بصمات ذات الشكل "الوسطي الدائري"، وهي البصمات التي وجدت على لوحة دافنشي.
وبالنظر إلى أن الإنسان يملك عشرة أصابع، فإن أهمية إيجاد بصمة واحدة وحيدة ذات شكل "وسطي دائري" تبدو ضئيلة، إضافة إلى أن بعض المعلومات الهامة مفقودة في هذا التحليل، خصوصا المعلومة الدالة على نسبة التوسكانيون الذين يحملون هذا الشكل من البصمات.
وبالطبع تم اليوم، وبشكل تام، إقصاء فكرة العلاقة الترابطية بين العرقية وشكل البصمات، فمعظم الناس يرون بصمات الأصابع على أنها مجرد تعريف للأفراد لا يمكن الشك فيه، وينظر إليها على أنها في واقع الأمر خالية من المعلومات العرقية.
ويتبين من هنا أن العلماء والمؤرخون كلاهما يأولون المناهج للحصول على الحقائق، وفي حالة لوحة هورتون، وعرقية ليوناردو دافنشي، فإن الحقيقة في النهاية تنحدر من الخبير الذي تؤمن بمعتقداته.
وبالتأكيد المسألة ليست مسألة اختيار، بل هي مسألة أي الخبراء أكثر موضوعية وعلمية، وفي النهاية فإن أحكام الخبراء ما هي إلا فعل من التأويل، ممزوجة بعند من "الفن" و "العلم".
*صحيفة نيويورك تايمز الأميركية
* سيمون أ. كول مؤلف كتاب "هويات وهمية: تاريخ البصمات وتمييز المجرمين" "A History of Fingerprinting and Criminal Identification" - مطبوعات جامعة هارفارد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : ترجمات | السمات:ترجمات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 28th, 2007 at 28 يناير 2007 10:24 ص
تحية معطرة بالاحترام زوريني في مدونتي
صالح القاسم
فبراير 2nd, 2007 at 2 فبراير 2007 3:14 م
هذا مقال مذهل بكل ما يحمله من أسئلة مثيرة وهامة ،إختيارك للمواضيع مميز جدا ومفيد جدا ..
ومع عدم تأكد البصمة لوالدة المبدع دافنشي ونسبته الى أصول أوسطية غير أن مساهمات الشرق الاوسط بالتاريخ الغربي أساسية وهامة وإن كان يتم التستر عليه !! كثيرا فمثلا الامبراطورية الرومانية شهدت أباطرة سوريين منهم كراكلا السوري ابن جوليا دمنة و خالته ميسا دمنة.
فبراير 3rd, 2007 at 3 فبراير 2007 9:40 ص
نعم صحيح، حتى الاساطير العالمية المؤسسة للمسرح العالمي والعلبة الايطالية تعود اساسا للميثولوجيا العربية